ابن كثير

21

البداية والنهاية

وفي رجب منها ظهر عيسى بن جعفر وعلي بن زيد الحسنيان بالكوفة وقتلا بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى واستفحل أمرهما بها . موت الخليفة المعتز بن المتوكل ولثلاث بقين من رجب من هذه السنة خلع الخليفة المعتز بالله ، والليلتين مضتا من شعبان أظهر موته . وكان سبب خلعه أن الجند اجتمعوا فطلبوا منه أرزاقهم فلم يكن عنده ما يعطيهم ، فسأل من أمه أن تقرضه مالا يدفعهم عنه به فلم تعطه . وأظهرت أنه لا شئ عندها ، فاجتمع الأتراك على خلعه ( 1 ) فأرسلوا إليه ليخرج إليهم فاعتذر بأنه قد شرب دواء وأن عنده ضعفا ، ولكن ليدخل إلى بعضكم . فدخل إليه بعض الأمراء فتناولوه بالدبابيس يضربونه وجروا برجله وأخرجوه وعليه قميص مخرق ملطخ بالدم ( 2 ) ، فأقاموه في وسط دار الخلافة في حر شديد حتى جعل يراوح بين رجليه من شدة الحر ، وجعل بعضهم بلطمه وهو يبكي ويقول له الضارب اخلعها والناس مجتمعون ثم أدخلوه حجرة مضيقا عليها فيها . وما زالوا عليه بأنواع العذاب حتى خلع نفسه من الخلافة وولى بعده المهتدي بالله كما سيأتي . ثم سلموه إلى من يسومه سوء العذاب بأنواع المثلات ، ومنع من الطعام والشراب ثلاثة أيام حتى جعل يطلب شربة من ماء البئر فلم يسق ، ثم أدخلوه سربا فيه جص جير فدسوه فيه فأصبح ميتا ، فاستلوه من الجص سليم الجسد واشهدوا عليه جماعة من الأعيان أنه مات وليس به أثر ، وكان ذلك في اليوم الثاني من شعبان من هذه السنة ، وكان يوم السبت ، وصلى عليه المهتدي بالله ، ودفن مع أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصوامع ، عن أربع وعشرين سنة . وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان طويلا جسيما وسيما أقنى الانف مدور الوجه حسن الضحك أبيض أسود الشعر مجعده ، كثيف اللحية حسن العينين ضيق الحاجبين أحمر الوجه وقد أثنى عليه الإمام أحمد في جودة ذهنه وحسن فهمه وأدبه حين دخل عليه في حياة أبيه المتوكل ، كما قدمنا في ترجمة أحمد . وروى الخطيب عن علي بن حرب قال : دخلت على المعتز فما رأيت خليفة أحسن وجها منه ، فلما رأيته سجدت فقال : يا شيخ تسجد لغير الله ؟ فقلت : حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل ، ثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يفرح به أو بشر بما يسره سجد شكرا لله عز وجل " . وقال الزبير بن بكار : سرت إلى المعتز وهو أمير فلما سمع بقدومي خرج مستعجلا إلى فعثر فأنشأ يقول : .

--> ( 1 ) ذكر المسعودي في خلع المعتز أنه : لما رأى الأتراك إقدام المعتز على قتل رؤسائهم وإعمال الحيلة في فنائهم ، وأنه قد اصطنع المغاربة والفراغنة دونهم صاروا إليه بأجمعهم وجعلوا يقرعونه بذنوبه ويوبخونه على أفعاله وطالبوه بالأموال . . ثم خلعوه 4 / 202 . ( 2 ) في مروج الذهب : وعليه قميص مدنس وعلى رأسه منديل